عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

531

اللباب في علوم الكتاب

النّاصب ل « إذ » يجوز أن يكون مضمرا ، أي : اذكر ، ويجوز أن يكون « عليم » ، وفيه بعد من حيث تقييد هذه الصفة بهذا الوقت ، ويجوز أن تكون « إذ » هذه بدلا من « إذ » قبلها ، والإراءة هنا حلمية . واختلف فيها النّحاة : هل تتعدّى في الأصل لواحد كالبصريّة ، أو لاثنين ، كالظّنّيّة ؟ . فالجمهور على الأوّل . فإذا دخلت همزة النّقل أكسبتها ثانيا ، أو ثالثا على حسب القولين فعلى الأوّل تكون الكاف مفعولا أول ، و « هم » مفعول ثان ، و « قليلا » حال ، وعلى الثّاني يكون « قليلا » نصبا على المفعول الثالث ، وهذا يبطل بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصارا ، أي : من غير دليل ، تقول : أراني اللّه زيدا في منامي ، ورأيتك في النوم ، ولو كانت تتعدّى لثلاثة ، لما حذف اقتصارا ؛ لأنه خبر في الأصل . فصل [ في أن رؤيا النبي حق ] المعنى : إذ يريك اللّه يا محمد المشركين في منامك ، أي : نومك . قال مجاهد : أرى اللّه النبي - عليه الصّلاة والسّلام - كفار قريش في منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه ، فقالوا : رؤيا النّبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سببا لقوّة قلوبهم « 1 » . فإن قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من اللّه تعالى أن يفعل ذلك ؟ . فالجواب : أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولعلّه تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وقال الحسن : هذه الإراءة كانت في اليقظة ، قال : والمراد من المنام : العين ؛ لأنّها موضع النّوم « 2 » . وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ لجبنتم « وَلَتَنازَعْتُمْ » اختلفتم « في الأمر » أي : في الإحجام والإقدام « وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ » أي : سلّمكم من المخالفة والفشل . وقيل : سلّمهم من الهزيمة يوم بدر . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . قال ابن عبّاس : عليم بما في صدوركم من الحبّ للّه تعالى « 3 » وقيل : يعلم ما في صدوركم من الجراءة ، والجبن والصّبر والجزع . قوله تعالى : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ، الإراءة - هنا - بصرية ، والإتيان هنا بصلة ميم الجمع واجب ، لاتصالها بضمير ، ولا يجوز التّسكين ، ولا الضّمّ من غير واو ، وقد جوّز

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 258 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 252 ) . ( 3 ) انظر المصدر السابق وذكره الرازي ( 15 / 136 ) .